سيد محمد طنطاوي

332

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وسقوطهم في أيديهم ، إذا اجتمع توبيخ اللَّه لهم وتشكى أنبيائه منهم . ومثاله : أن ينكب بعض الخوارج على السلطان خاصة من خواصه نكبة ، قد عرفها السلطان واطلع على كنهها وعزم على الانتصار له منه . فجمع بينهما ويقول له : ما فعل بك هذا الخارجي ؟ - وهو عالم بما فعل به - يريد توبيخه وتبكيته ، فيقول له : أنت أعلم بما فعل بي ، تفويضا للأمر إلى علم سلطانه واتكالا عليه ، وإظهارا للشكاية وتعظيما لما حل به منه . - وللَّه المثل الأعلى - وقيل : من هول ذلك اليوم يفزعون ويذهلون عن الجواب ، ثم يجيبون بعد ما تثوب إليهم عقولهم بالشهادة على أنفسهم . وقيل معناه : علمنا ساقط مع علمك ومغمور ، لأنك علام الغيوب ، ومن علم الخفيات لم تخف عليه الظواهر التي فيها إجابة الأمم لرسلهم . وقيل معناه : لا علم لنا بما كان منهم بعدنا ، وإنما الحكم للخاتمة ، وكيف يخفى عليهم أمرهم وقد رأوهم سود الوجوه موبخين » « 1 » . ثم ذكر - سبحانه - بعض النعم التي أنعم بها على عيسى وأمه فقال : * ( إِذْ قالَ اللَّه يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ ) * . وقوله : * ( إِذْ قالَ اللَّه يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ) * بدل من قوله : * ( يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّه الرُّسُلَ ) * وقد نصب بإضمار اذكر . والمعنى : اذكر أيها المخاطب لتعتبر وتتعظ يوم يجمع اللَّه الرسل فيقول لهم ماذا أجبتم ؟ . واذكر - أيضا - زيادة في العبرة والعظة قوله - سبحانه - * ( يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ) * تذكر يا عيسى نعمى المتعددة عليك وعلى والدتك - وعبر بالماضي في قوله : * ( إِذْ قالَ اللَّه ) * مع أن هذا القول سيكون في الآخرة ، للدلالة على تحقيق الوقوع ، وأن هذا القول سيحصل بلا أدنى ريب يوم القيامة . قال أبو السعود : قوله - تعالى : * ( إِذْ قالَ اللَّه يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ) * شروع في بيان ما جرى بينه - تعالى - وبين واحد من الرسل المجموعين ، من المفاوضة على التفصيل ، إثر بيان ما جرى بينه - تعالى - وبين الكل على وجه الإجمال ليكون ذلك كالأنموذج لتفاصيل أحوال الباقين ، وتخصيص شأن عيسى بالبيان ، لما أن شأنه - عليه السلام - متعلق بكلا الفريقين من أهل الكتاب الذين نعت عليهم هذه السورة جناياتهم . فتفصيل شأنه يكون أعظم عليهم ، وأجلب لحسراتهم ، وأدخل في صرفهم عن غيهم وعنادهم » « 2 » .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 690 ( 2 ) تفسير أبى السعود ج 2 ص 70